2015-01-20

شجرة




كان عند بيتنا شجرة بحبها
فروعها نازلة طويييلة توصل لراسي ووشي
زي شعر أمي لما كنت صغيرة

كنت اما اتعب ولّا اخاف، 
ولّا حتى ليا شوق أتدلع حبتين، أجري على حجرها
تحط ايدها فوق راسي، أهدى.

وخصلات شعرها أغصان، تنزل من فوق كتافها على وشي وأمسكها بإيديا.

كان حجرها وحضنها واسعين،
وكنت صغيرة، 
حجمي يسمح وحجم أخطائي وجرايمي كان برضه يسمح

والغصون، شعرها، كانت حبل رابطنا أنا وهي ..
حبل فعلا مش مجازا.

أنا كنت لسه صغيرة وطايشة،
باحدف في مشيي شمال ويمين،
وما كانش حاجة تهمني
وكل ما ابعد واحدف يمين أو شمال،
كنت ألِف بضهري كل شوية أطمّن،
ان الحبل لسه في إيدي، وإنه واصل عندها.

وفي يوم وانا في الطريق، طلع لي وحش كبير
وقفت قصاده مرة ومرتين ..
بس للأسف، عنيا غِفلت وتهت شوية .. فوقعت.

لما فقت، أول شيء دورت عليه الحبل اللي ما بيني وبينها،
مسكت طرفه ومشيت وراه، كتير قليل، بس في الآخر وصلت لطرفه التاني:

-         أمي .. ما تزعليش مني، الوحش وقعني ...

سمعت صوتها: 
"ما تخافيش يا بنتي .. أهم شيء تمسكي في طرف الحبل .. إوعي يضيع منك".

مرة تانية وتالتة وعاشرة طلعت لي وحوش كتير،
بس في المرة الاخيرة الوحش كان فظيع،
شكله وحش زي الجراد،
أول ما يلمس شيء جميل بيشوهه .. بيحوله زيه قبيح

ولأنه عارف إني كل مرة باقع باعرف بعدها إزاي أقوم،
ما اكتفاش إني أقع،
لأ، داس برجله ع الغصن القديم، الوصلة اللي بيني وبين أمي،
وعيني غمضت .. ووقعت.  

لما فقت من وقعتي فضلت أدوَّر ... 
الحبل ضاع
الدنيا ضلمة .. بقت متاهة وضيقة وخنقة

ندَهْت:  
"يا سيدة، يا ست، يا رئيسة الديوان، يا أم هاشم .. غيتيني يا أمي، أنا ستميت حتة" ..

ردت عليا:  "ماتخافيش" ..
مدت لي طرف الغصن وقالت لي: 
"الفرع لازم يتوصل من تاني بالشجرة.. كملي".

مسكت طرف الغصن، وكملت ..
مشيت شوية ..
بس الدنيا لسه ضلمة وضيقة ..
وتعبْت.
ندَهْت:  
"يا سيدة، يا ست، يا أم النور، يا مريم العدرا .. غيتيني يا أمي، أنا ستميت حتة" ..

ردت عليا:  "ماتخافيش .. بس الفرع لازم يتوصل من تاني بالشجرة .. كملي".
وإدت لي غصن جديد،
خدته وربطته في طرف الحبل اللي خلص، 
ورغم الدنيا لسه ضلمة .. كملت مشي.

قبل نهاية المشوار الحبل انتهى،
لكن الضلمة لسه ما خلصتش .....

بس فجأة، شعاع من الشمس -خط طويل- نوَّرعلى وشي !!  
وقبل ما افهم إزاي الشمس تدخل في المتاهة الضيقة،
لقيت شعاع الشمس أصبح حبل إتمد بيني وبين شيء كبير برة المتاهة،
كيان مقدرتش افهم هو ايه !! ...
بس حسيته قوة هايلة بتشدني لبرة المتاهة ..

وهناك لقيت حيطان مكتوب فوقيها كلام كتير .. معرفتش أفك أسراره ..
مش فاهمة ..

وقبل ما أنده واستغيث .......
سمعت صوت حفيف أوراق شجر وغصون !! ..
الغصون .. شعرها ...
إلتفتّ ....

كان الكيان الضخم اللي شدني من الضلمة .. شجرة  
قربت منها،
فرَشِت فروعها ع الارض،
وإتحولِت الفروع لإيدين،
إتمدت ناحيتي وجمّعت أشلائي ...
زي اما سبق جمّعِت أشلاء أبويا، لما اتقطعت واتوزعت على ستميت حتة

لميت كياني كله جوة منها،
نمت نومة المولود لما بيرضع من صدر أمه
وهي: حبة حبة، ومن سكات، ضمت عليا، 
لحد ما غطتني. 

نمت جوة قلب الشجرة -كتير، قليل- معرفش،  

بس لما قلب الشجرة فتَّح من جديد وخرجت للدنيا،
لقيتني مبتسمة ..
وفي إيديا غصن جديد،

حبل ماسكاه بكل ما حيلتي من قوة.

ليست هناك تعليقات: