بعض الكلمات جواهرتلمع أحيانا فتلفت انتباهنا. أحيانا - نفس الكلمات - تمر عليك مرور الكرام مرات ومرات ولا تلفت انتباهك ، ثم في مرة من المرات تجد نفسك تتأملها وكأنها المرة الاولى.
والكلمات والنصوص التي تأسرك تتراوح بين أشعار شوقي والمتنبي مرورا بأغاني عبد الحليم وفيروز وشادية ، وصولا إلى أغاني أحمد عدوية. فليس من الضروري ان تكون كلمات في نص من أمهات النصوص.
السحر يكمن في قيام عقلك فجأة بتجسيد الكلمات وفهمها بمعناها الحرفي وليس المعنى المجازي الاستعاري كما اعتدت.
عندك مثلا قصيدة "مضناك" لعبد الوهاب:
"نصبت عيناي له شركا في النوم فعز تصيده".
تجسيد الصورة التي تعبر عنها الكلمات وعدم اعتبارها مجازا ينتج عنه الصورة الساحرة التالية:
عبد الوهاب نصب كمينا لمن يحب في احلامه فتعذر عليه صيده (حتى في الاحلام يا ربي!!) فما أدراك بالواقع.
وبتطبيق نظرية التجسيد على الكلمات التالية لأغنية أحمد عدوية اكتشفت انها احد روائع الكلام العربي:
"شباكها بالستاير ومزيناه عنباية ، وقفص فيه طير وحاير بيفكرني بحكاية. حكاية قلب حب ، والشوق حاكم عليه ، من نظرة عين يحب ولا حد يحس بيه".. تأمل الصورة المرسومة.
وكما هي الالوان والفرشاة للرسام وكما هو الحجر للنحات ، الكلمات هي المادة الخام للكاتب والشاعر. ولا تكتسب الكلمة قيمتها الا داخل نص فهي قبل دخولها في النص تعتبر مادة خام ، فيأتي النص ويعطيها معنى ودورا.
ولكن هناك كلمات تقع في غرامها وهي مازالت خام فترى من خلالها النص الادبي الذي لم يكتب بعد وتراها فيه. يشبه ذلك تماما ما قاله احد المثالين العظام مرة من أنه يرى التمثال في قطعة الحجر أمامه قبل ان يبدأ في العمل وان كل ما يفعله هو انه يزيل الزيادات ليسمح للصورة التي يراها للتمثال في ذهنه بالظهور. واحيانا تكون هذه الكلمات المجردة حافزا على الكتابة وملهمة بكتابة نص غالبا ما يكون جميلا.
من فترة كنت استقل تاكسي من وسط البلد الى مدينة نصر. وقام السائق بتشغيل أغنية "موعود" لعبد الحليم حافظ. ولا أدري لماذا توقفت عند مقطع "كل مرة ترجع المشوار بجرح" وعشت مع الاغنية واندمجت وتجسد المشهد أمام عينيّ: عبد الحليم حافظ موقف قلبه قدامه زي التلميذ الخايب وبيقول له: يا خايب يا غبي يا اللي ما بتتعلمش من أخطاءك ، كل مرة كل مرة ترجع المشوار بجرح. اندمجت مع اللحن الجميل وأداء عبد الحليم المفتري والصورة المتجسدة أمام عينيّ. صعب عليا هذا القلب المسكين ، بسبب الوقفة المهينة اللي واقفها والتقريع واللوم اللي نازلين عليه كأنه تلميذ خايب أو طفل بيعمل مشاكل لأهله مع الآخرين دائما دون ان تعلمه التجربة: كل مرة كل مرة ترجع المشوار بجرح.
و في هذه اللحظة حدث ما لم أكن أتمناه ، فوجئت بسائق التاكسي يوقف الاغنية ويسألني: "مش هو ده المكان اللي انتي عايزاه؟" ، أدرت رأسي وأكتشفت أننا وصلنا فعلا ، وأنني لازم أنزل من التاكسي و أطلع المبنى الكئيب ده و أعمل حاجة مملة جدا مالهاش أي لازمة حقيقية في الحياة.
رسمت على وجهي تعبير من تذّكر شيئا مهما فجأة وفتحت حقيبتي ونظرت فيها بسرعة أولا ، ثم نظرت للسائق وقلت له:
آسفة ، أنا نسيت ورق مهم جدا ولازم ارجع اجيبه. لف و ارجع تاني .. بس شغل الاغنية تاني لو سمحت.