2014-12-30

Food


قانون العمل المصري فيه نص ان الهيئات الحكومية ملزمة بتشغيل المعاقين في حدود خمسة في المية من نسبة العمالة فيها. أظن ان دا شيء رحيم ومعرفش مازال بيتنفذ لغاية دلوقت ولا اصبح مجرد نص عاطل عن التنفيذ.

زميلة قديمة في العمل ، زمان استخدمت الميزة دي علشان ابنها اللي هو أصم وأبكم.  وهو حاليا بيشتغل فعلا من سنين كتير. بيخلوه يعمل شغل بسيط زي نقل وتسليم الورق...الخ.

ومن سنين كتير برضه كل ما يعدي على المكان اللي انا فيه ييجي يقعد معايا شوية ويحكي.

بأمانة ، انا عمري ما فهمت ولا كلمة من اللي بيقوله. بس الاحوال كانت ماشية ودايما يمشي مبسوط.

من كام يوم جه قعد جنبي كالعادة. بس ساعتها كنت مشغولة قوي ومركزة جدا في اللي باعمله.
فبقيت أرد عليه باقتضاب: آه طيب معلش ، آه طيب معلش... ومن غير ما أبص ناحيته حتى.

لما طَوّل ابتديت أتوتر من وجوده وبقيت أرد عليه وانا مكشرة شوية .. قام مشي.

المرة اللي بعدها لما جه ، أول ما شافني كشر.
قلت له: "إزيك" كشر زيادة والتفت الناحية التانية.
بعدها رجع التفت ناحيتي بنفس التكشيرة وفضل يقول كلام كتير مش فاهماه ، وتعبيرات وشه كلها غضب.


ماكنتش عارفة اعتذر له ولا اشرح له ازاي.

 في الآخر طلّعت شيكولاتة من الشنطة و قدمتهاله ..

في ثانية واحدة ضحك وشد كرسي و جه قعد جنبي. ورجع يتكلم ويحكي باستفاضة زي الاول .. كأن شيئا لم يكن.

بعد ما مشي ، أخدت بالي ان الاكل مش معناه اكل يعني "اكل" يعني.
و ان الاكل له معنى تاني ، أو معاني.

و ان كل ما كان الشخص والموقف بدائي أو فطري ، كل ما كان تقديم الأشياء الملموسة –خاصة الاكل- من الشخص دا أو له معناه المحبة.

و ان في الحواديت والقصص الشعبية مفيش حد بيقول لحد "أنا بحبك" .. في الحكايات دايماً بيكون تقديم الطعام مساوي تماماً لكلمة "أنا بحبك".

و ان لغاية دلوقتي في الارياف والمجتمعات اللي محتفظة ببعض بساطتها او فطرتها، مازالت اكتر طريقة لإظهار الكرم والترحيب والمحبة للضيف هي تقديم الطعام له.

وان رفض تناول الضيف للطعام غالبا بيثير غضب اهل البيت ، لانهم بيعتبروه رفض لمحبتهم ، يعني رفض ليهم هم. 

و ان اهمية الشيكولاتة وتأثيرها السريع عند الولد دا ماكانتش في انه بيحب ياكلها مثلا بس ، أهميتها ان تقديمها له معناه المباشر عنده "المحبة".


و ان أهميتها المباشرة عندي انها أغنتني عن تعلم لغة الاشارة ، و ان الراجل تفهم الموقف وتقَبل اعتذاري في صمت.

2014-12-09

مرآة


طيبا و حنونا ، جميلا .. كان
اقتربت .. مددت يدي

استسلمت للنوم على كتفه وتمنيت أن يضمني بقوة أكثر ، وأن يدوم ذلك الى الأبد.

كانت هناك خلفه مرآة وكنت للمرة الاولى ، فوق ذراعه ، قد نمت نوما عميقاً .. مريحاً.

ولكن عندما انفتحت عيناي ، ومن فوق كتفه ، وقعتا على المرآة .. لم أره.
رأيتني فيها وحدي ، يحتضنني  الـ ... لا شيء.


ففزعت وهربت.


2014-11-20

من غير سبب


واحد معايا في الشغل من زمان قوي مش بطيقه. عمره ما عمل لي حاجة وحشة (ولا حاجة حلوة). أساسا مفيش شغل بينه وبيني يستدعي حتى انه يكلمني ولا أكلمه. كنت باحس دايما ان عنده ابتسامة خبيثة زي الشرير بتاع أفلام زمان. كنت بخاف أركب معاه نفس الاسانسير حتى لو كان مليان ناس تانيين غيره. ولو صادفت و اتوجدنا في نفس المكان –اي مكان- كنت بابقى مخنوقة الكام ثانية اللي انا وهو موجودين في نفس الحيز.
امبارح و انا على مكتبي كان في حد بيتكلم مع زمايلي بس واقف جنبي انا بالظبط، إلتفتّ أشوف مين ده لقيته هو وكان ماسك عكاز. من غير تدبير كده لقيتني باقوله:  سلامتك؟ .. فضل وقت طويل يحكي لي عن الحادثة اللي حصلت له، وأنا طول الوقت مش مركزة في اللي بيقوله أد ما أنا مركزة في ان شكله وهو بيتكلم وطريقة كلامه بيقولوا انه راجل طيب، والمفروض يعني اعتذر له لاني طول السنين اللي فاتت دي ماكنتش طايقاه. و ان انا مش مفروض احكم على الناس من بعيد لبعيد كده زي العيال الصغيرة.

النهارده عند الاسانسير، أول ماشفته لقيتني مش طايقاه، وخايفة من نفس ابتسامته الخبيثة اللي زي ابتسامة الشرير في أفلام زمان.

و رحت اخترت اسانسير تاني غير اللي هو ركب فيه.

هو أكيد بني آدم مش كويس .. و ندور على السبب بعدين.
 

2014-11-05

أسود و ازرق و اخضر و احمر وابيض وبورطوقاني

في حدوتة عالمية قديمة (الحذاء الاحمر) عن بنت عندها حذاء احمر كل ما تلبسه ترقص من غير ما تقدر توقف نفسها. و رغم اني باكره نهايتها جدا، بس هي نبهتني لتأثير الالوان. مش ان الواحد يبقى بيحب لون اكتر من لون. لأ، تأثير اللون  نفسه على تصرفات البني آدم و حالته المزاجية.
في حالتي أنا ، لو انني ارتدي بلوزة -نفس البلوزة- مع اختلاف اللون. تصورت الحوار الخيالي التالي في حالة كل لون:

الاسود:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة دي......
-متشكرة. انت فتحت الايميل اللي اتبعت لك؟ على فكرة لازم ترد عليه النهارده علشان ......

الازرق:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة دي......
-والله؟ .. لعلمك انا بحب اللون الازرق جدا، بس الدرجة اللي هي فوق السماوي بشوية. اللي هو ازرق يعني ازرق، صريح يعني، مش اللي هو مايع زي السماوي ولا اللي هو مأفوَر وطالع ناحية الكحلي. انت فتحت الايميل اللي اتبعت لك؟ .. على فكرة ضروري والنبي ترد عليه النهارده علشان .......

الاخضر:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة دي......
-والله؟ .. متشكرة .. هو اللون الاخضر حلو في اي حاجة.  صحيح، انت فتحت الايميل اللي اتبعت لك؟ .. على فكرة ضروري والنبي ترد عليه النهارده علشان .......

الاحمر:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة دي......
-ايه ده بجد؟ اصل لعلمك بقى انا باكره اللون الاحمر ده، مش فاكرة اساسا انا اشتريت البلوزة دي حمرا ازاي وليه. مش عارفة اساسا اللي بيحبوا اللون الاحمر بيحبوه ازاي وليه. بس ايه ده، بجد حلوة؟ .. ليه؟ .. حاجة غريبة على فكرة.  آه صحيح، انت فتحت الايميل اللي اتبعت لك؟ انت لازم ترد عليه النهارده ، لازم علشان ......

الابيض:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة دي......
-شكرا، بس قلق بقى. اصل انا ما بابطلش لف في الشوارع وباقعد على الكراسي من غير ما امسحها، وفي اخر اليوم باروَح البيت مبهدلة. عشان كده تلاقي عندي هدوم بحبها جدا وما بالبسهاش خالص علشان لونها ابيض .. وجع دماغ الابيض ده .. بس حلو فعلا بجد.  آه صحيح، انت فتحت الايميل اللي اتبعت لك؟ .. على فكرة ضروري والنبي ترد عليه النهارده علشان .......

البرتقالي:
-صباح الخير يا هدى. الله، حلوة قوي البلوزة الاورانج دي......
-بجد؟ طب وما قلتش كده من الاول ليه.. اصل انا  بحب البورطوقاني جدا. تعرف انا اي حاجة بورطوقاني بحبها مهما كانت. .. حلوة قوي صح؟
-صحيح يا هدى ايه حكاية الايميل اللي اتبعت لي الصبح ده؟
-سيبك من الايميل دلوقتي. انت بتحب البورطوقاني برضه ولا بتحب لون ايه اكتر حاجة؟.  ممكن من فضلك بقى كل ما تشوف حاجة حلوة تقول .. عشان نكرر التجربة يعني.

البورطوقاني خطر جدا.

2014-07-15

كل مرة كل مرة

بعض الكلمات جواهرتلمع أحيانا فتلفت انتباهنا. أحيانا - نفس الكلمات - تمر عليك مرور الكرام مرات ومرات ولا تلفت انتباهك ، ثم في مرة من المرات تجد نفسك تتأملها وكأنها المرة الاولى.

والكلمات والنصوص التي تأسرك تتراوح بين أشعار شوقي والمتنبي مرورا بأغاني عبد الحليم وفيروز وشادية ، وصولا إلى أغاني أحمد عدوية. فليس من الضروري ان تكون كلمات في نص من أمهات النصوص.
السحر يكمن في قيام عقلك فجأة بتجسيد الكلمات وفهمها بمعناها الحرفي وليس المعنى المجازي الاستعاري كما اعتدت. 
عندك مثلا قصيدة "مضناك" لعبد الوهاب: 
"نصبت عيناي له شركا في النوم فعز تصيده". 
تجسيد الصورة التي تعبر عنها الكلمات وعدم اعتبارها مجازا ينتج عنه الصورة الساحرة التالية:
عبد الوهاب نصب كمينا لمن يحب في احلامه فتعذر عليه صيده (حتى في الاحلام يا ربي!!) فما أدراك بالواقع. 
وبتطبيق نظرية التجسيد على الكلمات التالية لأغنية أحمد عدوية اكتشفت انها احد روائع الكلام العربي:
 "شباكها بالستاير ومزيناه عنباية ، وقفص فيه طير وحاير بيفكرني بحكاية. حكاية قلب حب ، والشوق حاكم عليه ، من نظرة عين يحب ولا حد يحس بيه".. تأمل الصورة المرسومة. 

وكما هي الالوان والفرشاة للرسام وكما هو الحجر للنحات ، الكلمات هي المادة الخام للكاتب والشاعر. ولا تكتسب الكلمة قيمتها الا داخل نص فهي قبل دخولها في النص تعتبر مادة خام ، فيأتي النص ويعطيها معنى ودورا. 
ولكن هناك كلمات تقع في غرامها وهي مازالت خام فترى من خلالها النص الادبي الذي لم يكتب بعد وتراها فيه. يشبه ذلك تماما ما قاله احد المثالين العظام مرة من أنه يرى التمثال في قطعة الحجر أمامه قبل ان يبدأ في العمل وان كل ما يفعله هو انه يزيل الزيادات ليسمح للصورة التي يراها للتمثال في ذهنه بالظهور. واحيانا تكون هذه الكلمات المجردة حافزا على الكتابة وملهمة بكتابة نص غالبا ما يكون جميلا.

من فترة كنت استقل تاكسي من وسط البلد الى مدينة نصر. وقام السائق بتشغيل أغنية "موعود" لعبد الحليم حافظ. ولا أدري لماذا توقفت عند مقطع "كل مرة ترجع المشوار بجرح" وعشت مع الاغنية واندمجت وتجسد المشهد أمام عينيّ: عبد الحليم حافظ موقف قلبه قدامه زي التلميذ الخايب وبيقول له: يا خايب يا غبي يا اللي ما بتتعلمش من أخطاءك ، كل مرة كل مرة ترجع المشوار بجرح.  اندمجت مع اللحن الجميل وأداء عبد الحليم المفتري والصورة المتجسدة أمام عينيّ. صعب عليا هذا القلب المسكين ، بسبب الوقفة المهينة اللي واقفها والتقريع واللوم اللي نازلين عليه كأنه تلميذ خايب أو طفل بيعمل مشاكل لأهله مع الآخرين دائما دون ان تعلمه التجربة: كل مرة كل مرة ترجع المشوار بجرح.
و في هذه اللحظة حدث ما لم أكن أتمناه ، فوجئت بسائق التاكسي يوقف الاغنية ويسألني: "مش هو ده المكان اللي انتي عايزاه؟" ، أدرت رأسي وأكتشفت أننا وصلنا فعلا ، وأنني لازم أنزل من التاكسي و أطلع المبنى الكئيب ده و أعمل حاجة مملة جدا مالهاش أي لازمة حقيقية في الحياة. 

رسمت على وجهي تعبير من تذّكر شيئا مهما فجأة وفتحت حقيبتي ونظرت فيها بسرعة أولا ، ثم نظرت للسائق وقلت له:
آسفة ، أنا نسيت ورق مهم جدا ولازم ارجع اجيبه. لف و ارجع تاني .. بس شغل الاغنية تاني لو سمحت.

2014-01-03

سونة الخاين







في الافلام القديمة يرى البطل مشهدا معينا فتتداعى في خياله لقطات متتالية تنتهي بأن تقترب الكاميرا من وجهه تدريجيا وهو يزدادا تأثرا وانفعالا، حتى اذا وصلنا لأقرب نقطة من وجهه يكون في قمة الانفعال ويصرخ: لآآااااااااا.


نفس الشيء يحدث لي يوميا عندما أرى الكلمات الملطوعة في كل مكان بشوارع مصر (C C خاين .. C C قاتل). فما ان أراها حتى تقفز الى رأسي اغنية نجاة "يا خاين مالكش أمان" يليها صوت هند رستم وهي تهمس "يا سونة يا خاين" مع مزج كل ذلك بأكثر لقطات السينما رومانسية وتراجيدية في آن. تزيد تلك اللقطات أو تنقص يوميا، ولكن يبقى الثابت المتكرر هو مشهد النهاية الملحمي المؤثر. حيث يأتي سونة الخاين معترفا بذنبه حاملا الدباديب والورود والهدايا القيمة، وفوق منهم مصر: "هدية بسيطة عربون المصالحة والمحبة وتعبير عن ندمي على اللي حصل". و اثناء الكلام يصيبه التأثر فيبكي بحرقة: "خدوا قلبي، خدوا روحي، خدوا... خدوا... خدوا..." ثم يستطرد بنفس التأثر: "لامؤاخذة، طبعا ماقصديش حاجة أبيحة، أنا قصدي خدوا مصر. ومع اني ماكنتش قادر انطقها بس مش مشكلة مش مشكلة، ماتغلاش عليكم. اعملوا فيها اللي انتو عايزينه، أهم حاجة مابقاش خاين .. خاين .. خاين".

وينتهي الفيلم بلقطة مقربة على وجهي أنا وقد وصلت إلى قمة الانفعال الذي وصل اليه بطل الفيلم، ولكن بدلا من أن اصرخ مثله: لآآاااااا، تقلب معايا بنوبة ضحك هيستيرية لا استطيع إيقافها مدة طويلة فيصير الأمر غاية في الخطورة، حيث يتصادف في تلك اللحظة أنني أسير - بمفردي- إلى جوار مبنى ضخم اصفر اللون في حي العباسية.