2015-02-01

الطريق المستقيم




-   اختي وابنتي وزوجتي العزيزة .. اسمعيني.

الموضوع دا اصله قتل بحثا وابتذل ابتذالا وبقى لبانة في بق اللي مش لاقي لبان. 
ناس تقول لك الشباب مابقاش عندهم اخلاق، ولا حتى نخوة.
وناس تقول الظروف الاقتصادية وتأخر سن الزواج ...الخ الخ الخ.
أنا بقى ليا رأي تاني.
إنتي .. أيوة إنتي ..
البنت هي اللي في ايديها منع او استمرار هذه الظاهرة المخزية. 
إزاااي؟؟ .. 
بالسلوك .. ضبط السلوك.

-   اخي وابي وزوجي العزيز،
انت كده بترمي المسئولية كلها علينا، وكأن الشاب ده كائن بو.. بهيمي.

-   بعد التقصي والملاحظة، أنا .. اكتشفت انكن انتن اللاتي تدفعن الشباب الى التحرش بكن دفعاً.
وقبل ما منظمات حقوق الانسان والجمعيات النسائية يهدروا دمي، هاوضح الحقيقة.
لبسِك .. تصرفاتِك .. سلوكِك في الشارع شكله ايه؟هو ده مربط الفرس. لو ان كل فتاة مشت في طريقها ولا هدف لها سوى الوصول الى مبتغاها لما حدث التحرش. جرب انت تمشي في وسط البلد على سبيل المثال وليس الحصر .. مسخرة. الواحدة من دول ماشية ضحكتها على وشها وسع كده. وهاتك يا هزار وهاتك يا ضحك هي وصاحباتها مع بعض .. ابتذال. يعمل ايه اي شاب لما يشوف مناظر زي دي؟ .. دي دعوة صريحة للمعاكسةوالتحرش .. يعني هي اللي بدأت.   وفي الاخر تقولالحقوووني بيتحرشوا بيا.

-   المفروض نعمل ايه يا اخي وابي وزوجي العزيز؟

-   أقولِك،
البنت المستقيمة –اللي مش عايزة التحرش- مشيتها معروفة،
الجسم مستقيم، بحيث يُكوّن الرأس والكتفان معاً زاويتين قائمتين متوازيتين كل منهما تسعيين درجة،
كدهه (يصنع زاويتين قائمتين برأسه وكتفيه).
الرأس في خط مستقيم تمام الاستقامة مع باقي اجزاء الجسد،
الظهر مفرود ليصير عمودها الفقري مثل المسطرة.
زِيِها .. ليست فيه شبهة أنوثة والعياذ بالله.
تمشي وهي لا تلوي على شيء ولا تنظر في اي اتجاه.
اختي وابنتي وزوجتي العزيزة،
طريقة كلامك.
لازم تراعي عدم جذب الانتباه،
الصوت منخفض، ليست فيه نعومة ..
تون الكلام .. تووون الكلام.   
إنما الاخت اللي ابتسامتها على وشها مترين وماشية تتلفت يمين وشمال تبحلق في كل ما خلق ربنا،
تبقى هي اللي بتجيبه لنفسها.
يعمل ايه الشباب اللي عيشته كبت ومش لاقي شغل ولا عارف لا مؤاخذة يتجوز لما يشوف المناظر دي.

-   (بانفعال) بس ده ضحك برئ.

-   برئ؟ .. بلاش فلسفة فارغة،
الناس في الشارع مش ملزومين يعملوا بحث اجتماعي لحضرتك
عشان يعرفوا بتضحكي ليه وبتتلفتي على ايه ومبسوطة ليه،
لازم نراعي ظروف بعضينا. ..
بالعربي احترمي ذاتك لكي يحترمك العالم من حولك.


-   انت عايزني ابقى راجل .. صح؟

-   مش عيب.
اختي وابنتي وزوجتي العزيزة،
دا رأيي وشايف ان ظاهرة التحرش لن تنتهي ولن ينصلح حال المجتمع الا بهذا الرأي.

-   اخي وابي وزوجي العزيز .. أمرك.


ظلام .. ثم صوت ارتطام شديد .. وصوت  استغاثة الرجل:

-   آااااه.

(صوت الفتاة وقد صار كصوت الرجل تماماً):
-   عفواً يا اخي وابي وزوجي العزيز،
    اصلي نازلة وسط البلد وباجهز نفسي .. اييييه .. عندك اعتراض؟

-   لآاااااا.


عبادة النصوص



هناك قاعدة في اللغة العربية تقول: "الباء تدخل على المتروك"،
مثال على ذلك الآية القرآنية: " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"

قرأت هذه المعلومة  من سنوات طويلة في باب "قل ولا تقل" بإحدى الجرائد، فقصصت جزء الجريدة المكتوبة عليه ولصقته فوق دولاب ملابسي لأقرأ المعلومة كل يوم فتثبت في رأسي، وقد كان.  

ومن سنوات كنت مسئولة إداريا عن أعمال لجنة تطوير البنك الذي اعمل به. وهي لجنة يشترك في عضويتها عدد من الاساتذة ورؤساء الجامعات ويرأسها نائب محافظ البنك.

(كان نائب المحافظ وقتها، والمحافظ فيما بعد، هو الدكتور/ ......  ، وكان شخصاً جاداً محباً للعمل والتطوير، يتمتع بابتسامة مشرقة آسرة وشخصية جذابة جداً. وهناك قصة شائعة بين العاملين في البنك أنه كان يوجد اختلاف في الآراء بينه وبين رئيس الوزراء آنذاك عاطف عبيد، فتمسك هو باستخدام صلاحيات منصبه دون الانصياع لرئيس الوزراء في كل كبيرة وصغيرة كما كان الاخير يرغب. فنشأت خصومة مستترة بين الرجلين، ظلت كامنة حتى موعد اجتماع الجمعية التي تٌعقد مرتين سنويا لاعتماد ميزانيات البنوك. وكان من اللازم أن يعتمد رئيس الوزراء التقرير الناتج عن هذا الاجتماع كإجراء روتيني يتم كل مرة دون أية مشاكل. ولكن هذه المرة لم يتم. حيث "رَكَن" السيد رئيس الوزراء التقرير عنده لمدة شهرين، كانا كفيلين بوقف حال الجهاز المصرفي للدولة، وإجبار السيد المحافظ على تقديم استقالته).

نرجع لموضوعنا
في اجتماعات اللجان التي كنت أقوم بتنسيقها كان البند الأول  في جدول الأعمال هو مناقشة محضر اجتماع اللجنة السابقة.
وحدث مرة أنني أثناء كتابتي للمحضر استعرضت، أو بلفظ أرق، استخدمت عبقريتي اللغوية في الجملة التالية:
".....وقد أوصت اللجنة باستبدال نظام كذاكذا المعمول به عالميا بنظام كذاكذا الموجود حاليا بالبنك....".
و لفت السيد نائب رئيس جامعة عين شمس - عضو اللجنة وقتها- انتباهي إلى الخطأ اللغوي الذي وقعت فيه، وقال لي أن ذلك عكس المعنى المطلوب تماما، وطالبني بتصويبه.

جرت مناقشة سريعة بيني وبينه، إنحاز جميع اعضاء اللجنة فيها الى رأيه هو.

ورغم اني كنت مستعدة تماما لتغييرها إذا أصروا جميعا على ذلك (على أن أقوم بإثبات ذلك في محضر اللجنة الجديدة، علشان ألبسهم هم الغلط).
ورغم اني اعرف ان مجمع اللغة العربية في القاهرة كان قد قرر أن (باء البدل) يجوز دخولها على المتروك أو على المأخوذ (يعني أصبحت تمشي كدا وتمشي كدا)،

و رغم أني اعرف أن الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور،

رغم كل ذلك صممت على إثبات أنني "مش غلطانة".

و في معمعة المناقشة وتأييد الجميع لرأي الاستاذ الدكتور، قلت له:
 "يا فندم، الباء تدخل على المتروك، دي قاعدة لغوية قديمة جدا".

و في لحظة واحدة تحولت الدفة وبدأ الجميع يردد أقوالا مؤيدة لرأيي مؤداها كلها أن الباء بالفعل دايماً بتدخل على المتروك.


بصورة عامة يعني، أسهل طريقه لإثبات رأيك ودحض آراء الآخرين، هي استخدام النصوص القديمة.

لا تحاول أن تشرح أو توضح وتبرهن بالمنطق، عليك فقط أن تستخدم نصاً يبدو قديما،

لأنه في هذه الحالة سيكون مقدساً.

هناك دائما احساس بالنقص والدونية والتقديس تجاه المكتوب أكثر من الشفهي،

تجاه النصوص .. خاصة القديم منها.