2011-10-29

فئوية





 زميلي في العمل ملتحي يصبحنا ويمسينا يوميا بوابل من المواعظ  والواجبات الشرعية، يحج كل عام ويؤدي العمرة كل رمضان.  يعلن دائما استنكاره لاضرابات واعتصامات العمال المطالبين برفع الاجور و يرى انهم مخربون يقودون البلد الى الانهيار الاقتصادي والامني. عندما اخبرته ان مرتب هؤلاء العمال لا يزيد عن 500 جنيه في الشهر قال:
-  يصبروا .. البلد لازم تستقر وبعدين كله يتدبر.
-  لكن دول مرتبهم 500 جنيه  وعندهم عيال بياكلوا ويلبسوا ويمكن كمان يتهوروا ويدخلوهم مدارس.
    -  يعني هم كانوا عايشين ازاي قبل كده؟ يعيشوا زي ماكانوا عايشين.
    -  الله اعلم .. يمكن كانوا بيسرقوا او يرتشوا، او حاجة من هذا القبيل.
    -  اشمعنى دلوقت جايين يدوشونا بقى؟
    -  يعني يسرقوا؟
    -  انا ماقلتش كده.
    -  طيب يعيشوا ازاي؟ .. دبرهم حضرتك.
    -  يصبروا ويعيشوا زي ماكانوا عايشين لحد البلد ما تقف على رجليها.
    -  طيب، قلت لي مرتب حضرتك كام الف جنيه؟ .... حضرتك خد بدلهم
       خمسميت جنيه كل شهر وعيش بيهم ودبر نفسك انت وعيالك من غير ما تسرق ولا ترتشي 
        ولا تشتكي .. حتى تستقر الامور.
    -  احنا بنتكلم في موضوع عام، انتي ليه تحوليه لشخصي .. عن اذنك علشان الحق  أصلي
       الضهر في الجماعة.

2011-10-14

صناعة

صورة لصفحة من الفيسبوك وبها بعض التعليقات الكريهة على احداث قتل الجيش للمتظاهرين الاقباط في ماسبيرو يوم 9 اكتوبر 2011
كُتب تحت الصورة التعليق التالي: "دى عينة بسيطة جدا من تعليقات اخواتنا المحترمين المسلمين
عايز واحد مسلم يقولى انا بعد ما اقرأ التعليقات دى المفروض اعمل ايه؟"

كنت أنا وزميلة لي في العمل نتجول في معرض اقيم للعب وكتب الاطفال ونصحتها بشراء بعض الكتب لاطفالها فكان ردها الفوري: كتب ايه؟ دول مش نافعييين.  رد سهل ومريح يوحي بصراحتها مع نفسها واعترافها بواقعها المؤلم. وهو ايضا يريحها من محاولة تقصي اسباب ذلك الواقع ومحاولة علاج اسبابه.
تذكرت هذه الواقعة عندما نُشرت على الفيسبوك الصورة المرفقة أعلاه بما تحمله من تعليقات مشبعة بالكراهية لمسيحيي مصر والشماتة في ما حدث لهم في ماسبيرو، فكانت تعليقات بعض الاصدقاء المعتدلين على ما جاء في الصورة  اننا: -يجب ان نعترف اننا شعب فاشي .. -أننا شعب مغيب وجاهل فكريا ويفتخر بجهله .. -اننا شعب كافح لكي يتمرغ في الجهل .. -اننا شعب عظيم مهذب لا ينقصه سوى التخلي عن جهله وتطرفه وعنفه غير المبرر تجاه الآخر وبعض الصفات السيئة الاخرى التي تساهم بشكل أساسي في تكوينه.  ....الخ.
أسهل شيء هو ان نصف انفسنا بالفاشية وبأن كراهية الآخر جزء من تركيبتنا، ثم ننام بعد ذلك مرتاحي الضمير لأننا صادقون مع انفسنا ولم نحاول –كغيرنا- إلصاق ما جرى بالفلول أو بالمؤامرات الخارجية ولم نحاول أيضا ان نتشدق بشعارات الوحدة الوطنية .. خلاص كده الحمد لله احنا صادقين.  أما المتعب فهو تحليل ما حدث وتتبع اسبابه القديمة قبل الجديدة، الخافية قبل الظاهرة.
المتعب ان نقول لانفسنا ان هناك ما يسمى بصناعة الرأي العام و ان هذه الصناعة تتطلب كثيرا من التفكير والتخطيط والعمل المخلص والمال وأيضاً شراء الذمم.  من المتعب ان نتذكر ان صورة اليهودي في العالم اجمع كانت مرادفة لصورة شيلوك التاجر الانتهازي في مسرحية شكسبير الشهيرة، ولكن عندما قرر اليهود ان يغيروا التاريخ بأسره فعلوها وتمكنوا -في سنوات قليلة جدا من عمر التاريخ- من تحويل هذه الصورة البشعة الى نقيضها تماما، فصار اليهودي دائماً في صورة الضحية . حتى و هم يفعلون ما يفعلون بالفلسطينيين فهم مازالوا ضحايا في أعين العالم. كل ذلك تم بالتخطيط والعمل المخلص.  من المتعب ان نعترف انه بالتخطيط والصبر والمثابرة تتمكن اسرائيل الان من فرض كل ما تريده وأن الفلسطينيين الآن يتسولون اعترافا بدولتهم لن ينالوه للاسف لأن لعبة الانتخابات الامريكية تتحكم فيها الاصوات والاموال والنفوذ اليهودي في امريكا و في كل انحاء العالم ..  من المتعب ان نعترف انه حتى السرقة يلزمها التخطيط والصبر والعمل المخلص.
من المتعب ان نعترف ان الناس –كل الناس- في جميع انحاء العالم وفي كل مراحل التاريخ تبحث عمن يريحها من عناء التفكير ومن يقدم لهم نماذجا و صورا و افكارا جاهزة، وبالتالي فهم في انتظار من يملأ رؤوسهم بما يريد أياً كان، المهم ان يمتلك الوسائل والعزيمة التي تؤهله لفعل ذلك. 
من المتعب ان نعترف ان كل شيء –كل شيء- يمكن تغييره الى نقيضه تماما: الحب الى كراهية، التسامح الى تطرف، التعاطف الى شماتة، التعاون والتكامل والتعايش الى حرب اهلية. من الممكن حتى ان تقود أخاً شقيقاً الى قتل شقيقه بل وأبويه. كل ذلك ممكن تماما بالدراسة والتخطيط والعمل الصبور والنفس الطويل.

من المتعب ان نعترف انه امكن بصبر ومثابرة ودهاء وبقوة المال والنفط وشراء الذمم سحب المصريين شيئا فشيئا الى مستنقع  التفاهة والتطرف والكراهية،  ليأكلوا انفسهم بانفسهم ثم ليأتي  بعد ذلك من يقول ان كل ذلك عنصر من مكونات الشخصية المصرية.
مشكلتنا ليست اننا شعب متطرف او عنيف بطبيعته، فأي دراسة ولو بسيطة ستثبت عكس ذلك تماما، ولكن مشكلتنا الازلية هي الاستسهال و انعدام الصبر والرؤية طويلة المدى لاهدافنا.  مشكلتنا اننا ليس لنا صبر على الصداع .. اقصد التفكير.

2011-10-08

عودة الى زمن التحرش الجميل


حدث ذلك عندما كانت تسير في شارع الجمهورية المزدحم بمحلات الآلات والعِدد الصناعية.  مرت بمحل تتكدس امامه قطع حديد ذات حوافِ خطرة تستدعي الحرص لتجنبها.  بذلت جهداً لتحمي ساقيها من الاحتكاك بقطع الحديد.  تابع عم حسين صاحب المحل كل ذلك بإعجاب صامت. و بعد ان عبرت بسلام و ابتعدت عدة امتار سمعته ينادي: يا أبلة .. يا أبلة، عادت إليه مستفسرة:

عم حسين:     (بجدية و رقة) خلي بالك.

الفتاة:           (بقلق) من ايه؟

عم حسين:     الحديد هايعور رجليكي.

الفتاة:           فين ده ؟

عم حسين:     آهه .. خدي بالك بس.

الفتاة:           بس أنا خلاص عديته.

عامل بالمحل: ما تدقيش، عم حسين أصله نمس قديم ماتغركيش سنانه الواقعة، كنتي تعالي شوفيه ايام الثورة.

الفتاة:           في التحرير؟

العامل:          لأ في التل الكبير، هوجة عرابي.

الفتاة:           (بمرح) متشكرة يا عم حسين. هو ده بقى التحرش بتاع زمان؟

 غادرته الفتاة مبتسمة.  قطعت باقي مشوارها  تفكر في عم حسين.  قارنت أسلوبه البدائي في التعبير عن الاعجاب بأسلوب ذلك الشاب "العصري" الشهير الذي حاول التعبير عن اعجابه بست فتيات يسرن معاً في الطريق فدهسهن بسيارته .. الستة.  قتلهن جميعاً لمجرد لفت انظارهن اليه، مناغشة يعني.

 قارنت بين "وقاحة" عم حسين المسن عديم الاسنان وبين "ورع" الرجل الآخر الذي شاهدته في نهار رمضان الماضي يقف أمام متجره يلاحق العابرات بعينيه، و كلما اعجبته احداهن ردد الآية الكريمة: "و راودته التي هو في بيتها عن نفسه".  وسألت نفسها ساعتها: ما هو رد الفعل المناسب الواجب على الفتاة إبداءه؟ هل تتشبه بالسلف الصالح مثله فتقول: "يا سم" مثلاً؟  أم أن جلال الموقف و هيبته يتطلبان رداً أكثر ورعاً مثل "اكثر الله من امثالك يا مولانا" .. أم ماذا !؟

مر كل ذلك بخاطرها فأحست برغبة في ان تعود مرة اخرى الى عم حسين لتقول له: أشكرك يا عم حسين .. أعدتني في لحظات الى زمن التحرش الجميل.

2011-10-04

المحور وسنينه


عندما تغادر مدينة السادس من اكتوبر وتبدأ طريق المحور يومياً متجهاً إلى عملك في وسط القاهرة، سوف ينتابك نوع من الانبساط سببه نقاء الهواء وسيولة المرور ومناظر خضراء على الجانبين تدعوك للتأمل. ولكن لن تمر دقائق حتى تقترب من نهاية المحور فيبدأ "يومك".

بضع مئات من الامتار قبل نقطة التقاء طريق المحور بالطريق الدائري، يختنق المرور فجأة –كل يوم فجأة- فتختنق انت أيضاً فجأة. 
عندما يتوقف بك المرورعلى المحور –فجأة- لا تلعن الحياة والظروف والعيشة واللي عايشينها كما نفعل جميعاً كل يوم. لا تبدأ يومك بالنفخ والشكوى. كلا، حاول أن تنظر الى الجوانب المشرقة للأزمة وما اكثرها، خذ عندك مثلا:
في معمعة أيامنا المزدحمة اللاهثة لا يجد الانسان وقتا للتأمل ، إذن فهذه هي فرصتك الوحيدة .. تأمل. 
في البداية ستجد نفسك -دون قصد- ترسل عينيك إلى الاراضي الخضراء المحيطة بالمحور من الجانبين، منظر يريح الاعصاب المرهقة. تتأمل في قدرة الله على انبات كل هذا الخير في ارض طينية سوداء على بُعد امتار من الجبل ورمال الصحراء وتطرح على نفسك اسئلة كثيرة وليدة اللحظة، منها:
كيف استطاعت مياه الفيضان ان تقطع كل هذه المسافات حاملة التربة الطينية الخصبة من ارض الحبشة (هم قالوا لنا هكذا في كتاب القراءة في سنة رابعة ابتدائي) لتستر بها عورة صحرائنا الصفراء، ثم تتوقف المياه -فجأة- عند هذا الحد لتترك لنا مدينة الشيخ زايد ومدينة 6 اكتوبر صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء إلا الاشجار والنجيلة والزهور سابقة التجهيز التي تظهر –فجأة- في اي مكان ولا تعطيك فرصة لاستمتاع حقيقي أو تأمل.
تتأمل أيضاً في موكب من الاغنام يتقدمهم الراعي ويتبعهم حمار، وتضطر للتساؤل:
الغنم: –مثلنا جميعا- تمشي دائما في قطيع. 
الراعي: صاحب مصلحة. 
طيب والحمار: ماشي وراهم ليه؟  
تتقدم قليلا في الطريق فتكتشف ان السكينة والتأمل سالفيّ الذكر قد صارا من التاريخ. ستجد ان الارض قد اصبحت –فجأة- تنبت بدلا من الخضرة اسمنتا وخرسانة وطوبا أحمراً. وكلما تقدمت فإن عينيك بدلا من السياحة في براح الحقول سوف تصطدمان بالحوائط والاسوار والاسمنت. ستتحول افكارك بعيدا عن الماعز والراعي والحمار إلى بيوت تطل على المحور مباشرة ولا تفهم كيف ولماذا تتكاثر هكذا يومياً كالسرطان فجأة!!. ولكن كن على حذر ولا تنخرط في تأملاتك هذه زيادة عن اللزوم فقد تفيق –فجأة- على عينيك وقد وقعتا –أثناء التأمل- على نافذة لحمام بيت مطل على المحور أثناء قيام صاحب البيت بتناول الشاور اليومي بتاعه. براحته .. الراجل في بيتهم وأنت المعتدي. 

ستحاول ان تجد اجابات لاسئلة كثيرة، منها:
ما هو سر التغاضي الغريب المريب عن ذلك الغزو الاسمنتي المسلح بالقبح؟ وبوصفك متأمل، فانك سوف تترفع عن سوء الظن وستلتمس العذر لمن لهم سلطة التصدي لهذا الغزو، فربما لم يبصروا أو ربما لم يبلغهم احد بهذه الجريمة اليومية، خاصة أن طريق المحور -كما نعرف- مكان غير مطروق.  
وسط كل هذا القبح والاحباط لن تملك الا ان تهرب بعينيك الى الارض. لا تقلق، ملكوت الله واسع. في لحظة سوف تنسى كل ما رأيت، ذلك عندما تجذب عينيك قشةُ كبيرة تسير على الارض بمفردها مسرعة. ستضطر لخلع النظارة الشمسية وإرتداء النظارة الطبية لتكتشف ان "حرامي الحلة" هو الذي يحمل القشة ويجري من هنا الى هناك بنشاط عجيب ولا كأن المحور واقف والناس نفَسها مكتوم زهقاً. سيقفز الى رأسك سؤال: هل حرامي الحلة هو احد انواع النمل أم انه حشرة مستقلة بذاتها؟. طبعا لن توجه هذا السؤال الوجودي لأحد من المحيطين بك على المحور في ظل ظروفهم الراهنة، إلا إذا واتتك الرغبة في ان تكمل تأملاتك في قسم الشرطة .. براحتك.  
عندما ترفع عينيك عن حرامي الحلة ستصطدم بسور المحور –قبل الدائري بأمتار قليلة- وستتابع على جدار السور معركة حامية الوطيس بين "ابناء مبارك" واللي مش ابناء مبارك، كل يعبر عن آراءه وقناعاته وخياباته على الحائط. سيؤخذ عقلك تماما بهذه المعركة الحائطية بأسلحتها المتعددة التي تتدرج بين الكلمات والرسوم الجميلة المعبرة إلى الالفاظ البذيئة والشتائم، ولو ركزت فإنك ستجد فيها يومياً شيئاً جديداً جديراً بالانتباه والتأمل. سوف يستغرقك هذا الحوار الحائطي الديمقراطي الشيق حتى تصل الى كوبري 15 مايو، لتجد نفسك –فجأة- مغروزا حتى النخاع في مستنقع تفوح منه جميع الروائح الخانقة للروح والعقل والبدن. 
ابتسم .. لقد وصلت القاهرة.