2015-04-28

إسمي

اسم هدى من الاسماء المنتشرة، ماهواش اسم مميز ولا فريد يعني.

وهناك بعض الغموض حول الاسباب الفعلية لاختيار هذا الاسم، حيث انني زماان قوي سألت ابويا ليه اخترت لي الاسم دا، قال لي: 
"دي عايزة كلام؟.. هدى من الله يا بنتي، كنت باتمنى لك الهدى من قبل ما تتولدي".

بس بعدها بفترة سمعته بيقول إنه من كتر محبته لجمال عبد الناصر سمى أولاده على أسماء عبد الناصر وولاده: "جمال" و"خالد" و"هدى".

بس الحمد لله العيلة عندنا مفيهاش الداء بتاع تسمية الابناء والبنات على اسامي الجدود والجدات، وإلا كانت هتبقى وقعة مش ظريفة .. ليه بقى؟؟
لإني انا البنت الوحيدة في العيلة،
يعني المرشحة الوحيدة لحمل اسم جدتي لأبويا،
وهي الله يرحمها كان اسمها مبروكة .. الله يرحمها بقى.

وأنا صغيرة لما كنا نسافر البلد ابويا كان ياخدني معاه نتمشي في الغيطان ويقول لي:
"شايفة الطير اللي هناك دا .. شكله حلو؟"
اقول له: "حلو قوي". 
يقول لي: "هو حلو علشان اسمه زي اسمك، هو هدهد وأنتي هدهد."

عشان كدا، مع إني مابحبش اسامي الدلع خالص، بابقى مبسوطة لما حد بيندهلي "هدهد" .. زي ما ابويا كان بيندهلي.

بس اسمي دا كان دايما السبب في أي افلام قديمة بقابلها في حياتي، من نوعية أفلام "الطريق المستقيم" و"بالوالدين احسانا"... حيث البني آدمين ناقص لهم جناحين ويبقوا ملايكة.

مرة مثلا وانا في ثانوي، طلبنا من الاستاذ صبري مدرس العربي يكتب لكل واحدة كلمة،
حاجة كدا زي الاوتوجراف بمناسبة انتهاء العام الدراسي،
لما وصل لعندي كتب مايلي:
"الى تلميذتي النجيبة هدى، أحسب ان في أخلاقك من اسمك نصيبا كبيرا .. وفقك الله الى طاعته وخدمة الوطن ورعاية المجتمع..." !!!!!!
ومن دا كتير بقى.

لقيت الناس كلها بتفترض ان هدى هادية هداها الله، يعني مثالية ولا تخطئ.
وبتفرض عليك نظرتها دي.
مع ان هدوءك مش لازم يكون هدى،
ممكن يكون زهق .. قلة حيلة .. عدم اكتراث ... 
وممكن يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة.

كبرت في دماغي وابتديت أدوَّرلي على اسم تاني.
ايه هو الاسم اللي لو كانوا خيروني قبل ما يسموني كنت هاختاره؟
جربت كل الأسامي وجيت عند "راوية" ووقفت.
اسم حلو، ومن حيث الاصالة والمعاصرة ماهواش قديم قوي زي حكمت وزينات وجمالات، ولا جديد ومتكرر كتير زي هدى وهبة ومروة.... الخ.

حطيت الفكرة موضع التنفيذ:  
سبت واتنين واربع انا "هدى" ..  
حد وتلات وخميس هابقى "راوية".

كنت عارفة ان الموضوع صعب شويتين. مش هالف على خلق الله أبلغهم بالتغييرات اللي استجدت على اسمي يعني.
بس صادفت اني اشتغلت في الوقت دا مع جمعية من جمعيات خدمة المجتمع، وكان عدد الناس هناك كبير قوي وأنا جديدة عليهم كلهم، 
فبقى أي حد يسألني عن اسمي أقول له "راوية".

وزي ما يكون ما صدقوا، كلهم بقوا يقولولي راوية.
 حتى لما قلت لهم ان اسمي الحقيقي مش راوية، قالوا لي لأ شكلك راوية .. ماتنفعيش هدى.

الايام والاماكن والناس اللي كنت بابقى فيهم ومعاهم راوية، كانت الحياة أسهل وأبسط،
مع اني ماكنتش باعمل أي حاجة مختلفة عن اللي باعملها وأنا هدى.

حاجة غريبة، 
الناس بتحب راوية أكتر من هدى وبيحبوا يضحكوا ويهزروا معاها أكتر من هدى. 
لما راوية بتغيب شوية كلهم بيقلقوا ويسألوا عليها.
هدى مهما غابت محدش هيسأل عليها.
دايما خايفين منها ومن غموضها وردود أفعالها وحاطين حواجز معاها،
ويرجعوا يقولوا لها انتي اللي حاطة حواجز.

..........................

ماينفعش كدا على فكرة...
تطلع ايه الست راوية دي كمان!!؟
أحسن مني في ايه؟!!
علشان جريئة وبتقول اللي عندها أول بأول؟
بتاخد حقها وبتعيش حياتها أول بأول؟

عادي، ما انا كمان باقول اللي عندي وباخد حقي.
صحيح باتمهل واتريث شوية..تين تلاتة...
بس عادي، في النهاية باطلَع كل اللي عندي والمشاكل بتتحل....
صحيح دا عادة بيكون على يد محضر وبتدخل مباشر من المطافي،...  بس ماهو دا العادي في وسط الـ......
أوووووه .. دماغي بقى.

دخلت نمت وأنا متلخبطة ومتغاظة.
وقبل الفجر بساعتين تلاتة، صحيت على صداع جامد، خبط فظييع في دماغي.
فضلت أهز راسي بعنف من كتر الألم....
بصيت لقيتهم اتنطروا من دماغي ع السرير!!...
راوية وهدى .. الاتنين ماسكين في شعر بعض .. زعيق وخناق وألفاظ أعوذ بالله.

-   اسكتوا واهدوا وفهموني .. في ايه؟

راوية قالت:
"أنا شايفة اني مؤهلة اكتر للاقامة جوة دماغك لوحدي .. لوحدي. وآدي انتي جربتي وشفتي .. صح ولا انا غلطانة؟"

وهدى قالت:
"أنا صاحبة البيت. واحترام أهل البيت أهم آداب الزيارة. وهي ما احترمتنيش .. داخلة تفرض هيمنتها، عايزة تطردني".

-   أفندم !!
    مين اللي فهمكوا ان دماغي دي شقة مفروشة !!
    اطلعوا من دماغي انتو الاتنين .. برة .. ماتدخلوش هنا تاني.

ومنعا للتخبيط في النافوخ خلصت من راوية.
زي ما اتولدت في دماغي فجأة، قررت اموتها .. برضه فجأة.
ومع إصراري على كدا الناس نسيوها .. و انا نسيتها.
ماعادش فيه راوية تاني، ماعادش فيه غير هدى.

ودلوقتي خلاص أي حد بيسألني على اسمي، عادي باقول له: "اسمي هدى .. هدى".

بس هو في الحقيقة يعني أنا هدى...
وساعات كدا بابقى راوية،
وساعات سميرة، 
وساعات حكمت أو زينات  ..

وساعات .. أحيانا يعني .. بابقى حنفي كمان.           



2015-02-01

الطريق المستقيم




-   اختي وابنتي وزوجتي العزيزة .. اسمعيني.

الموضوع دا اصله قتل بحثا وابتذل ابتذالا وبقى لبانة في بق اللي مش لاقي لبان. 
ناس تقول لك الشباب مابقاش عندهم اخلاق، ولا حتى نخوة.
وناس تقول الظروف الاقتصادية وتأخر سن الزواج ...الخ الخ الخ.
أنا بقى ليا رأي تاني.
إنتي .. أيوة إنتي ..
البنت هي اللي في ايديها منع او استمرار هذه الظاهرة المخزية. 
إزاااي؟؟ .. 
بالسلوك .. ضبط السلوك.

-   اخي وابي وزوجي العزيز،
انت كده بترمي المسئولية كلها علينا، وكأن الشاب ده كائن بو.. بهيمي.

-   بعد التقصي والملاحظة، أنا .. اكتشفت انكن انتن اللاتي تدفعن الشباب الى التحرش بكن دفعاً.
وقبل ما منظمات حقوق الانسان والجمعيات النسائية يهدروا دمي، هاوضح الحقيقة.
لبسِك .. تصرفاتِك .. سلوكِك في الشارع شكله ايه؟هو ده مربط الفرس. لو ان كل فتاة مشت في طريقها ولا هدف لها سوى الوصول الى مبتغاها لما حدث التحرش. جرب انت تمشي في وسط البلد على سبيل المثال وليس الحصر .. مسخرة. الواحدة من دول ماشية ضحكتها على وشها وسع كده. وهاتك يا هزار وهاتك يا ضحك هي وصاحباتها مع بعض .. ابتذال. يعمل ايه اي شاب لما يشوف مناظر زي دي؟ .. دي دعوة صريحة للمعاكسةوالتحرش .. يعني هي اللي بدأت.   وفي الاخر تقولالحقوووني بيتحرشوا بيا.

-   المفروض نعمل ايه يا اخي وابي وزوجي العزيز؟

-   أقولِك،
البنت المستقيمة –اللي مش عايزة التحرش- مشيتها معروفة،
الجسم مستقيم، بحيث يُكوّن الرأس والكتفان معاً زاويتين قائمتين متوازيتين كل منهما تسعيين درجة،
كدهه (يصنع زاويتين قائمتين برأسه وكتفيه).
الرأس في خط مستقيم تمام الاستقامة مع باقي اجزاء الجسد،
الظهر مفرود ليصير عمودها الفقري مثل المسطرة.
زِيِها .. ليست فيه شبهة أنوثة والعياذ بالله.
تمشي وهي لا تلوي على شيء ولا تنظر في اي اتجاه.
اختي وابنتي وزوجتي العزيزة،
طريقة كلامك.
لازم تراعي عدم جذب الانتباه،
الصوت منخفض، ليست فيه نعومة ..
تون الكلام .. تووون الكلام.   
إنما الاخت اللي ابتسامتها على وشها مترين وماشية تتلفت يمين وشمال تبحلق في كل ما خلق ربنا،
تبقى هي اللي بتجيبه لنفسها.
يعمل ايه الشباب اللي عيشته كبت ومش لاقي شغل ولا عارف لا مؤاخذة يتجوز لما يشوف المناظر دي.

-   (بانفعال) بس ده ضحك برئ.

-   برئ؟ .. بلاش فلسفة فارغة،
الناس في الشارع مش ملزومين يعملوا بحث اجتماعي لحضرتك
عشان يعرفوا بتضحكي ليه وبتتلفتي على ايه ومبسوطة ليه،
لازم نراعي ظروف بعضينا. ..
بالعربي احترمي ذاتك لكي يحترمك العالم من حولك.


-   انت عايزني ابقى راجل .. صح؟

-   مش عيب.
اختي وابنتي وزوجتي العزيزة،
دا رأيي وشايف ان ظاهرة التحرش لن تنتهي ولن ينصلح حال المجتمع الا بهذا الرأي.

-   اخي وابي وزوجي العزيز .. أمرك.


ظلام .. ثم صوت ارتطام شديد .. وصوت  استغاثة الرجل:

-   آااااه.

(صوت الفتاة وقد صار كصوت الرجل تماماً):
-   عفواً يا اخي وابي وزوجي العزيز،
    اصلي نازلة وسط البلد وباجهز نفسي .. اييييه .. عندك اعتراض؟

-   لآاااااا.


عبادة النصوص



هناك قاعدة في اللغة العربية تقول: "الباء تدخل على المتروك"،
مثال على ذلك الآية القرآنية: " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير"

قرأت هذه المعلومة  من سنوات طويلة في باب "قل ولا تقل" بإحدى الجرائد، فقصصت جزء الجريدة المكتوبة عليه ولصقته فوق دولاب ملابسي لأقرأ المعلومة كل يوم فتثبت في رأسي، وقد كان.  

ومن سنوات كنت مسئولة إداريا عن أعمال لجنة تطوير البنك الذي اعمل به. وهي لجنة يشترك في عضويتها عدد من الاساتذة ورؤساء الجامعات ويرأسها نائب محافظ البنك.

(كان نائب المحافظ وقتها، والمحافظ فيما بعد، هو الدكتور/ ......  ، وكان شخصاً جاداً محباً للعمل والتطوير، يتمتع بابتسامة مشرقة آسرة وشخصية جذابة جداً. وهناك قصة شائعة بين العاملين في البنك أنه كان يوجد اختلاف في الآراء بينه وبين رئيس الوزراء آنذاك عاطف عبيد، فتمسك هو باستخدام صلاحيات منصبه دون الانصياع لرئيس الوزراء في كل كبيرة وصغيرة كما كان الاخير يرغب. فنشأت خصومة مستترة بين الرجلين، ظلت كامنة حتى موعد اجتماع الجمعية التي تٌعقد مرتين سنويا لاعتماد ميزانيات البنوك. وكان من اللازم أن يعتمد رئيس الوزراء التقرير الناتج عن هذا الاجتماع كإجراء روتيني يتم كل مرة دون أية مشاكل. ولكن هذه المرة لم يتم. حيث "رَكَن" السيد رئيس الوزراء التقرير عنده لمدة شهرين، كانا كفيلين بوقف حال الجهاز المصرفي للدولة، وإجبار السيد المحافظ على تقديم استقالته).

نرجع لموضوعنا
في اجتماعات اللجان التي كنت أقوم بتنسيقها كان البند الأول  في جدول الأعمال هو مناقشة محضر اجتماع اللجنة السابقة.
وحدث مرة أنني أثناء كتابتي للمحضر استعرضت، أو بلفظ أرق، استخدمت عبقريتي اللغوية في الجملة التالية:
".....وقد أوصت اللجنة باستبدال نظام كذاكذا المعمول به عالميا بنظام كذاكذا الموجود حاليا بالبنك....".
و لفت السيد نائب رئيس جامعة عين شمس - عضو اللجنة وقتها- انتباهي إلى الخطأ اللغوي الذي وقعت فيه، وقال لي أن ذلك عكس المعنى المطلوب تماما، وطالبني بتصويبه.

جرت مناقشة سريعة بيني وبينه، إنحاز جميع اعضاء اللجنة فيها الى رأيه هو.

ورغم اني كنت مستعدة تماما لتغييرها إذا أصروا جميعا على ذلك (على أن أقوم بإثبات ذلك في محضر اللجنة الجديدة، علشان ألبسهم هم الغلط).
ورغم اني اعرف ان مجمع اللغة العربية في القاهرة كان قد قرر أن (باء البدل) يجوز دخولها على المتروك أو على المأخوذ (يعني أصبحت تمشي كدا وتمشي كدا)،

و رغم أني اعرف أن الخطأ الشائع خير من الصواب المهجور،

رغم كل ذلك صممت على إثبات أنني "مش غلطانة".

و في معمعة المناقشة وتأييد الجميع لرأي الاستاذ الدكتور، قلت له:
 "يا فندم، الباء تدخل على المتروك، دي قاعدة لغوية قديمة جدا".

و في لحظة واحدة تحولت الدفة وبدأ الجميع يردد أقوالا مؤيدة لرأيي مؤداها كلها أن الباء بالفعل دايماً بتدخل على المتروك.


بصورة عامة يعني، أسهل طريقه لإثبات رأيك ودحض آراء الآخرين، هي استخدام النصوص القديمة.

لا تحاول أن تشرح أو توضح وتبرهن بالمنطق، عليك فقط أن تستخدم نصاً يبدو قديما،

لأنه في هذه الحالة سيكون مقدساً.

هناك دائما احساس بالنقص والدونية والتقديس تجاه المكتوب أكثر من الشفهي،

تجاه النصوص .. خاصة القديم منها.



2015-01-28

دور برد


ذات شتاء شديد البرودة زمهرير، أصيبت أميرة ببرد فظيع.
و في ظرف أيام قليلة تدهورت حالتها من سيء إلى أسوأ.
وراح الاطباء وجاءوا عليها ، لكنهم فشلوا في علاجها.

ولما وصلت درجة حرارتها 38 وشرطتين، و زاد الزكام بحيث لم يعد أحد يفهم لها كلام،
بدأت أحوال الملك في التدهور هو الآخر، ليس من البرد والزكام
ولكن قلقاً وحزناً على ابنته الوحيدة.

وبعد مناقشة مساعديه وجميع المقربين من معاليه،
وصلوا إلى أنه من الواجب اتخاذ إجراء سريع لدرء هذا الخطر الفظيع.

وهنا أصدر جلالة الملك إعلاناً جرى تعميمه على الرعية عبر وسيلة الإعلام الرسمية.
حيث امتطى منادي المملكة صهوة الحمار الملكي، و جابَ أنحاء المملكة منادياً:
-   إلى جميع أهالي المملكة، أصدر جلالة الملك بياناً موجَهاً إلى عموم الرعية، وهذا نصه: "في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد، حيث تعاني أميرة ابنتنا الوحيدة من دور برد عُضال، قررنا رصد مكافأة لا تقدر بثمن لأي حد يستطيع معالجة ابنتنا من دور البرد الفظيع.
تلك المكافأة هي تزويج الأميرة ممن ينجح في علاجها، وبالتالي فإنه سيكون ملك البلاد والحاكم على رقاب العباد بعد عمر طويل إن شاء الله.
على أن يكون في علم الجميع أن من يتصدى لتلك المهمة ويفشل ستكون مكافأته قطع رقبته بصورة عادلة" .

هنا أُسقط في يد الشعب كله، لأن العمر مش بعزقة. وقال كلٌ في نفسه:
"ما تموت أميرة مع ستين ألف سلامة"
وآثر جميع الشعب السلامة، إلا واحد بس ..
وهو مواطن عادي من عامة الشعب كان إسمه الشاطر حسين.

ذهب الشاطر حسين إلى الملك وقال له بكل ثقة وحسم وقوة:
-         سيدي الملك، أنا عندي دواء يداوي جميع الأدواء، و هو....
فقاطعه الملك قائلا:
-  تطلع ايه أدواء دي كمان؟
فقال الشاب:
-  أدواء جمع داء على ما أذكر يا عمي، بس خلينا في المهم بقى..
فقال له الملك:
-  اتفضل يا بني.

استجمع الشاب كل ما لديه من شجاعة وفصاحة وبجاحة، وشحذ مواهبه الفطرية في القدرة على الاقناع وتوصيل المعلومة إلى محدودي الذكاء، ثم قال:
-  يتلخص العلاج سيدي الملك في بيت الشعر المأثور الذي يقول:
لكل داء دواء يستطب به إلا الأفورة أعيت من يداويها
فسأله الملك:
-  تقصد ايه ؟ وما معنى أفورة دي كمان؟
فقال الشاب:
-  أفورة جاية من كلمة "over" باللغة الانجليزية يا عمي، أي المبالغة المَرَضية غير الرشيدة التي تنم على المراهقة أو الطفولية العقلية والوجدانية.
المقصود يعني حضرتك ايه لزومها عقوبة الاعدام في البيان؟
فقال له الملك:
-  هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا. لقد كانوا –رحمهم الله- كلهم مأفورين برضه.

ألم تقرأ حكايات ألف ليلة وليلة؟ ، ألم تقرأ سيّر الملوك والأعيان في كل زمان؟
كلهم كوووولهم، بدون استثناء، كانوا دايماً مأفورين.  ماجاتش عليّا أنا يعني، ثم إن...... باقولك ايه هتعالج البت ولّا هتقضّيها أبيات شعر ومواعظ ؟!!
-  هاعالجها يا عمي، بس لو حضرتك لغيت شرط الاعدام اللي في آخر البيان.
-  كيف ذلك؟
-  كدا عادي يا عمي. يعني البيان يكون بيحتوي فقط على الجانب الخاص بالترغيب، أي الزواج من الأميرة كمكافأة، مع إلغاء عقوبة إعدام من يفشل.
بلاش أفورة أرجوك يا جلالة الملك.

وهنا تأثر الملك واقتنع وسمح للشاطر حسين بالمحاولة بدون تهديد بالإعدام .. لعل وعسى.

قام الشاطر حسين بمعالجة أميرة، وشُفيت تماماً على يديه.  ونحن لا نعرف كيف شفاها، ولا يهمنا ذلك في شيء، حيث أنه غير مؤثر في سياق هذه الحدوتة.

بعد أن شُفيت أميرة وصارت في كامل صحتها وعافيتها، ذهب الشاطر حسين وطالَب الملك بالوفاء بوعده.

شكره الملك شكراً جزيلاً وأمر أن تقام الأفراح والليالي الملاح لمدة مائة يوم في كل أرجاء المملكة إحتفالاً بشفاء أميرة أولاً وبزواجها من الشاطر حسين ثانياً.

وقام أفراد الحاشية على الفور بتنفيذ ما أمر به الملك. و عمّت الافراح جميع أنحاء المملكة.

وكما يحدث في كل أفلام زمان، حاولت العروس الهرب في ليلة الزفاف.
ولما باءت المحاولة بالفشل، سألها الملك لماذا حاولت الهرب؟!!! .. فقالت له:   
-  ولا حضرتك ولا المدعو الشاطر حسين دا سألتموني قبل ما تتفقوا على المكافأة.
دي لو كانت مِعْزة كنتوا عملتوا لها اعتبار وسألتوها قبل إبرام الاتفاق ...

وهنا تأثر الملك لتاني مرة واقتنع وقال لابنته:
-  مش تقولي كدا .. زي ما تحبي يا بنتي.
بس دبّريني إزاي نخرج من الموقف اللي احنا فيه.
شكلنا ايه قدام الناس والمعازيم؟ و هنعمل ايه مع الشاطر حسين؟

قالت أميرة:
-  ماتقلقش يا والدي، أنا لا أرضى لك بالفضيحة.
وإذا كان على منظرنا قدام المعازيم، فالجوازة هتتم.
وإذا كان على الشاطر حسين، فهو كان ناوي يتجوز مِعْزة، بدليل انه ما كلفش خاطره حتى يعرف أو يسأل اللي هايتجوزها هي عايزاه ولّا لأ .. و آديني هاجوزه المِعْزة بتاعتي .. دا إذا هي وافقت.

وقد كان.

وعندما حاول الشاطر حسين الاعتراض والاحتجاج على الملك بأنه وعده بكذا وكذا، قاطعه الملك قائلاً:
-  أنا خلاص يا بني اتعلمت واستوعبت الدرس اللي انت إديتهولي خلاص .. بلاااش أفورة .. و زي ما الأميرة قالت، هي مش مِعْزة علشان نزوجها بدون إذن مسبق منها. لكن أنا مازلت.........

وهكذا انتهت الحكاية نهاية سعيدة لجميع الاطراف.

حيث شفيت أميرة من المرض.
و اطمئن الملك على ابنته، وشفي هو أيضاً من داء الأفورة.

وتزوج الشاطر حسين من المِعْزة،
وعاشا في تبات ونبات، وأنجبا مزيداً من المأفورين والمأفورات.


2015-01-20

شجرة




كان عند بيتنا شجرة بحبها
فروعها نازلة طويييلة توصل لراسي ووشي
زي شعر أمي لما كنت صغيرة

كنت اما اتعب ولّا اخاف، 
ولّا حتى ليا شوق أتدلع حبتين، أجري على حجرها
تحط ايدها فوق راسي، أهدى.

وخصلات شعرها أغصان، تنزل من فوق كتافها على وشي وأمسكها بإيديا.

كان حجرها وحضنها واسعين،
وكنت صغيرة، 
حجمي يسمح وحجم أخطائي وجرايمي كان برضه يسمح

والغصون، شعرها، كانت حبل رابطنا أنا وهي ..
حبل فعلا مش مجازا.

أنا كنت لسه صغيرة وطايشة،
باحدف في مشيي شمال ويمين،
وما كانش حاجة تهمني
وكل ما ابعد واحدف يمين أو شمال،
كنت ألِف بضهري كل شوية أطمّن،
ان الحبل لسه في إيدي، وإنه واصل عندها.

وفي يوم وانا في الطريق، طلع لي وحش كبير
وقفت قصاده مرة ومرتين ..
بس للأسف، عنيا غِفلت وتهت شوية .. فوقعت.

لما فقت، أول شيء دورت عليه الحبل اللي ما بيني وبينها،
مسكت طرفه ومشيت وراه، كتير قليل، بس في الآخر وصلت لطرفه التاني:

-         أمي .. ما تزعليش مني، الوحش وقعني ...

سمعت صوتها: 
"ما تخافيش يا بنتي .. أهم شيء تمسكي في طرف الحبل .. إوعي يضيع منك".

مرة تانية وتالتة وعاشرة طلعت لي وحوش كتير،
بس في المرة الاخيرة الوحش كان فظيع،
شكله وحش زي الجراد،
أول ما يلمس شيء جميل بيشوهه .. بيحوله زيه قبيح

ولأنه عارف إني كل مرة باقع باعرف بعدها إزاي أقوم،
ما اكتفاش إني أقع،
لأ، داس برجله ع الغصن القديم، الوصلة اللي بيني وبين أمي،
وعيني غمضت .. ووقعت.  

لما فقت من وقعتي فضلت أدوَّر ... 
الحبل ضاع
الدنيا ضلمة .. بقت متاهة وضيقة وخنقة

ندَهْت:  
"يا سيدة، يا ست، يا رئيسة الديوان، يا أم هاشم .. غيتيني يا أمي، أنا ستميت حتة" ..

ردت عليا:  "ماتخافيش" ..
مدت لي طرف الغصن وقالت لي: 
"الفرع لازم يتوصل من تاني بالشجرة.. كملي".

مسكت طرف الغصن، وكملت ..
مشيت شوية ..
بس الدنيا لسه ضلمة وضيقة ..
وتعبْت.
ندَهْت:  
"يا سيدة، يا ست، يا أم النور، يا مريم العدرا .. غيتيني يا أمي، أنا ستميت حتة" ..

ردت عليا:  "ماتخافيش .. بس الفرع لازم يتوصل من تاني بالشجرة .. كملي".
وإدت لي غصن جديد،
خدته وربطته في طرف الحبل اللي خلص، 
ورغم الدنيا لسه ضلمة .. كملت مشي.

قبل نهاية المشوار الحبل انتهى،
لكن الضلمة لسه ما خلصتش .....

بس فجأة، شعاع من الشمس -خط طويل- نوَّرعلى وشي !!  
وقبل ما افهم إزاي الشمس تدخل في المتاهة الضيقة،
لقيت شعاع الشمس أصبح حبل إتمد بيني وبين شيء كبير برة المتاهة،
كيان مقدرتش افهم هو ايه !! ...
بس حسيته قوة هايلة بتشدني لبرة المتاهة ..

وهناك لقيت حيطان مكتوب فوقيها كلام كتير .. معرفتش أفك أسراره ..
مش فاهمة ..

وقبل ما أنده واستغيث .......
سمعت صوت حفيف أوراق شجر وغصون !! ..
الغصون .. شعرها ...
إلتفتّ ....

كان الكيان الضخم اللي شدني من الضلمة .. شجرة  
قربت منها،
فرَشِت فروعها ع الارض،
وإتحولِت الفروع لإيدين،
إتمدت ناحيتي وجمّعت أشلائي ...
زي اما سبق جمّعِت أشلاء أبويا، لما اتقطعت واتوزعت على ستميت حتة

لميت كياني كله جوة منها،
نمت نومة المولود لما بيرضع من صدر أمه
وهي: حبة حبة، ومن سكات، ضمت عليا، 
لحد ما غطتني. 

نمت جوة قلب الشجرة -كتير، قليل- معرفش،  

بس لما قلب الشجرة فتَّح من جديد وخرجت للدنيا،
لقيتني مبتسمة ..
وفي إيديا غصن جديد،

حبل ماسكاه بكل ما حيلتي من قوة.