2010-10-28

خطر

ماذا تفعل اذا قال لك الاطباء:  لا تقلق ابنك بخير، كل ما في الامر ان الله خلقه دون مناعة، جهازه المناعي لا يعمل.  اذا امكنك الحفاظ عليه من الامراض ومصادر العدوى فهو انسان طبيعي، اما اذا لم تستطع، فقد تكون نهايته.
أظن أن أباً في مثل هذا الموقف لن يفعل أقل من أن يضع ابنه داخل حصن زجاجي، لا يدخل من خلاله شيء و لا يعبره أحد إلا بعد التعرض لاقصى درجات النظافة والتعقيم .. وهذا بالضبط ما فعلته.
وضعت نفسي وقلبي داخل حصن حديدي منيع ذي مراحل للدخول وغرف للانتظار وأقوى اجهزة التفتيش والتأمين في العالم.  كل هذا خوفاً من أمراض الكذب والخداع والتلاعب بعواطف وآمال الناس والاستهانة بمشاعر الآخرين. 
ليس كل البشر ككل البشر، البعض يمر بالمراحل كلها والبعض يقفز عدة مراحل، ولكن في النهاية الجميع يخضع للاجراءات، و من المستحيل أن يصل احد لقلب الحصن -لغرفته الرئيسية- دون المرور بكل هذه التعقيدات، وهي ضرورية لأنه بدونها يمكن بمنتهى السهولة نسف الحصن بدءا من الداخل من قلبه.    وكان الحصول على كل تلك الاجهزة والتحصينات، كافياً لتحقيق درجة عالية من الامن والامان، ولكن كان لكل هذا أيضاً تكاليفه الباهظة التي -للامانة- استنفذت معظم مخصصات الموازنة، فلم تعد الموازنة متوازنة.  
تضمنت نفقات تأمين الحصن حزنا واكتئابا وحرمانا دائمين، وهي تكاليف امكن دائماً تدبيرها، ولم يحدث ابدا ان تم التهاون لتقليل النفقات.

وبصراحة كان أكثر الناس (أو كلهم) مريحا، لم يجهدوا تحصيناتنا كثيرا ولم يكلفوها مالا طاقة لها به.  كان الجميع يتوقف أمام الباب الخارجي، وما أن يلمح كم التعزيزات والتجهيزات والمراحل، حتى يؤثر السلامة وينصرف، إما عن ضعف همة وقلة صبر، أو بسبب نوايا سيئة أجهضتها مجرد رؤيته للتحصينات فيأس و انصرف، او حتى عن ضعف ثقة في ذاته وعدم تصوره أن بإمكانه عبور كل تلك التحصينات، أو لانه -ببساطة- يرى ان الامر برمته لا يستحق العناء.  المهم أنهم أراحوا واستراحوا فقد كان الامن في جميع الاحوال -والحمد لله- دائما مستتباً،  والاستقرار -مهما كان مملا و خانقا- مضموناً.

ماذا يحدث لو أن احدهم تسلل إلى الداخل مباشرة؟

أن تجد أحدهم موجوداً فجأة في قلب الحصن، في غرفته الرئيسية. تلك الغرفة يعني مجرد الوصول إليها إما أن كل ما سبقها من تحصينات زائف و فاسد .. أو ان القادم يملك قوة جديدة، شيئا جديدا أعطاه القوة والامكانية لعبور كل التحصينات.

من ذلك المقتحم بدون تصاريح؟
لقد استنفر وجوده كل مراكز المقاومة .. اجهزة الانذار تعمل جميعها في ذات الوقت ، حتى صارت هي نفسها مصدر ازعاج وقلق شديدين.
فحتى لو كان هذا التسلل واعدا بالتغيير والبهجة، بحياة غير تلك الشبيهة بالموت فإن الامور بهذا الشكل لم تعد تحت السيطرة، لم يعد الامن مستتبا ولا بقي الاستقرار مضمونا.