عندما تغادر مدينة السادس من اكتوبر وتبدأ طريق المحور يومياً متجهاً إلى عملك في وسط القاهرة، سوف ينتابك نوع من الانبساط سببه نقاء الهواء وسيولة المرور ومناظر خضراء على الجانبين تدعوك للتأمل. ولكن لن تمر دقائق حتى تقترب من نهاية المحور فيبدأ "يومك".
عندما يتوقف بك المرورعلى المحور –فجأة- لا تلعن الحياة والظروف والعيشة واللي عايشينها كما نفعل جميعاً كل يوم. لا تبدأ يومك بالنفخ والشكوى. كلا، حاول أن تنظر الى الجوانب المشرقة للأزمة وما اكثرها، خذ عندك مثلا:
في معمعة أيامنا المزدحمة اللاهثة لا يجد الانسان وقتا للتأمل ، إذن فهذه هي فرصتك الوحيدة .. تأمل.
في البداية ستجد نفسك -دون قصد- ترسل عينيك إلى الاراضي الخضراء المحيطة بالمحور من الجانبين، منظر يريح الاعصاب المرهقة. تتأمل في قدرة الله على انبات كل هذا الخير في ارض طينية سوداء على بُعد امتار من الجبل ورمال الصحراء وتطرح على نفسك اسئلة كثيرة وليدة اللحظة، منها:
كيف استطاعت مياه الفيضان ان تقطع كل هذه المسافات حاملة التربة الطينية الخصبة من ارض الحبشة (هم قالوا لنا هكذا في كتاب القراءة في سنة رابعة ابتدائي) لتستر بها عورة صحرائنا الصفراء، ثم تتوقف المياه -فجأة- عند هذا الحد لتترك لنا مدينة الشيخ زايد ومدينة 6 اكتوبر صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء إلا الاشجار والنجيلة والزهور سابقة التجهيز التي تظهر –فجأة- في اي مكان ولا تعطيك فرصة لاستمتاع حقيقي أو تأمل.
تتأمل أيضاً في موكب من الاغنام يتقدمهم الراعي ويتبعهم حمار، وتضطر للتساؤل:
تتأمل أيضاً في موكب من الاغنام يتقدمهم الراعي ويتبعهم حمار، وتضطر للتساؤل:
الغنم: –مثلنا جميعا- تمشي دائما في قطيع.
الراعي: صاحب مصلحة.
طيب والحمار: ماشي وراهم ليه؟
تتقدم قليلا في الطريق فتكتشف ان السكينة والتأمل سالفيّ الذكر قد صارا من التاريخ. ستجد ان الارض قد اصبحت –فجأة- تنبت بدلا من الخضرة اسمنتا وخرسانة وطوبا أحمراً. وكلما تقدمت فإن عينيك بدلا من السياحة في براح الحقول سوف تصطدمان بالحوائط والاسوار والاسمنت. ستتحول افكارك بعيدا عن الماعز والراعي والحمار إلى بيوت تطل على المحور مباشرة ولا تفهم كيف ولماذا تتكاثر هكذا يومياً كالسرطان فجأة!!. ولكن كن على حذر ولا تنخرط في تأملاتك هذه زيادة عن اللزوم فقد تفيق –فجأة- على عينيك وقد وقعتا –أثناء التأمل- على نافذة لحمام بيت مطل على المحور أثناء قيام صاحب البيت بتناول الشاور اليومي بتاعه. براحته .. الراجل في بيتهم وأنت المعتدي.
ستحاول ان تجد اجابات لاسئلة كثيرة، منها:
ما هو سر التغاضي الغريب المريب عن ذلك الغزو الاسمنتي المسلح بالقبح؟ وبوصفك متأمل، فانك سوف تترفع عن سوء الظن وستلتمس العذر لمن لهم سلطة التصدي لهذا الغزو، فربما لم يبصروا أو ربما لم يبلغهم احد بهذه الجريمة اليومية، خاصة أن طريق المحور -كما نعرف- مكان غير مطروق.
وسط كل هذا القبح والاحباط لن تملك الا ان تهرب بعينيك الى الارض. لا تقلق، ملكوت الله واسع. في لحظة سوف تنسى كل ما رأيت، ذلك عندما تجذب عينيك قشةُ كبيرة تسير على الارض بمفردها مسرعة. ستضطر لخلع النظارة الشمسية وإرتداء النظارة الطبية لتكتشف ان "حرامي الحلة" هو الذي يحمل القشة ويجري من هنا الى هناك بنشاط عجيب ولا كأن المحور واقف والناس نفَسها مكتوم زهقاً. سيقفز الى رأسك سؤال: هل حرامي الحلة هو احد انواع النمل أم انه حشرة مستقلة بذاتها؟. طبعا لن توجه هذا السؤال الوجودي لأحد من المحيطين بك على المحور في ظل ظروفهم الراهنة، إلا إذا واتتك الرغبة في ان تكمل تأملاتك في قسم الشرطة .. براحتك.
عندما ترفع عينيك عن حرامي الحلة ستصطدم بسور المحور –قبل الدائري بأمتار قليلة- وستتابع على جدار السور معركة حامية الوطيس بين "ابناء مبارك" واللي مش ابناء مبارك، كل يعبر عن آراءه وقناعاته وخياباته على الحائط. سيؤخذ عقلك تماما بهذه المعركة الحائطية بأسلحتها المتعددة التي تتدرج بين الكلمات والرسوم الجميلة المعبرة إلى الالفاظ البذيئة والشتائم، ولو ركزت فإنك ستجد فيها يومياً شيئاً جديداً جديراً بالانتباه والتأمل. سوف يستغرقك هذا الحوار الحائطي الديمقراطي الشيق حتى تصل الى كوبري 15 مايو، لتجد نفسك –فجأة- مغروزا حتى النخاع في مستنقع تفوح منه جميع الروائح الخانقة للروح والعقل والبدن.
ابتسم .. لقد وصلت القاهرة.
الراعي: صاحب مصلحة.
طيب والحمار: ماشي وراهم ليه؟
تتقدم قليلا في الطريق فتكتشف ان السكينة والتأمل سالفيّ الذكر قد صارا من التاريخ. ستجد ان الارض قد اصبحت –فجأة- تنبت بدلا من الخضرة اسمنتا وخرسانة وطوبا أحمراً. وكلما تقدمت فإن عينيك بدلا من السياحة في براح الحقول سوف تصطدمان بالحوائط والاسوار والاسمنت. ستتحول افكارك بعيدا عن الماعز والراعي والحمار إلى بيوت تطل على المحور مباشرة ولا تفهم كيف ولماذا تتكاثر هكذا يومياً كالسرطان فجأة!!. ولكن كن على حذر ولا تنخرط في تأملاتك هذه زيادة عن اللزوم فقد تفيق –فجأة- على عينيك وقد وقعتا –أثناء التأمل- على نافذة لحمام بيت مطل على المحور أثناء قيام صاحب البيت بتناول الشاور اليومي بتاعه. براحته .. الراجل في بيتهم وأنت المعتدي.
ستحاول ان تجد اجابات لاسئلة كثيرة، منها:
ما هو سر التغاضي الغريب المريب عن ذلك الغزو الاسمنتي المسلح بالقبح؟ وبوصفك متأمل، فانك سوف تترفع عن سوء الظن وستلتمس العذر لمن لهم سلطة التصدي لهذا الغزو، فربما لم يبصروا أو ربما لم يبلغهم احد بهذه الجريمة اليومية، خاصة أن طريق المحور -كما نعرف- مكان غير مطروق.
وسط كل هذا القبح والاحباط لن تملك الا ان تهرب بعينيك الى الارض. لا تقلق، ملكوت الله واسع. في لحظة سوف تنسى كل ما رأيت، ذلك عندما تجذب عينيك قشةُ كبيرة تسير على الارض بمفردها مسرعة. ستضطر لخلع النظارة الشمسية وإرتداء النظارة الطبية لتكتشف ان "حرامي الحلة" هو الذي يحمل القشة ويجري من هنا الى هناك بنشاط عجيب ولا كأن المحور واقف والناس نفَسها مكتوم زهقاً. سيقفز الى رأسك سؤال: هل حرامي الحلة هو احد انواع النمل أم انه حشرة مستقلة بذاتها؟. طبعا لن توجه هذا السؤال الوجودي لأحد من المحيطين بك على المحور في ظل ظروفهم الراهنة، إلا إذا واتتك الرغبة في ان تكمل تأملاتك في قسم الشرطة .. براحتك.
عندما ترفع عينيك عن حرامي الحلة ستصطدم بسور المحور –قبل الدائري بأمتار قليلة- وستتابع على جدار السور معركة حامية الوطيس بين "ابناء مبارك" واللي مش ابناء مبارك، كل يعبر عن آراءه وقناعاته وخياباته على الحائط. سيؤخذ عقلك تماما بهذه المعركة الحائطية بأسلحتها المتعددة التي تتدرج بين الكلمات والرسوم الجميلة المعبرة إلى الالفاظ البذيئة والشتائم، ولو ركزت فإنك ستجد فيها يومياً شيئاً جديداً جديراً بالانتباه والتأمل. سوف يستغرقك هذا الحوار الحائطي الديمقراطي الشيق حتى تصل الى كوبري 15 مايو، لتجد نفسك –فجأة- مغروزا حتى النخاع في مستنقع تفوح منه جميع الروائح الخانقة للروح والعقل والبدن.
ابتسم .. لقد وصلت القاهرة.
هناك تعليقان (2):
ما شاء الله عليك فعلا نقلتى كل او معظم اللى بيدور فى اذهاننا على المحور على فكرة لازم نشكر زحمه المحور اللى خالتنا نشوف معاكى التحليل الرائع دا
شكرا جزيلا يا "غير معرف".
إرسال تعليق