2011-10-14

صناعة

صورة لصفحة من الفيسبوك وبها بعض التعليقات الكريهة على احداث قتل الجيش للمتظاهرين الاقباط في ماسبيرو يوم 9 اكتوبر 2011
كُتب تحت الصورة التعليق التالي: "دى عينة بسيطة جدا من تعليقات اخواتنا المحترمين المسلمين
عايز واحد مسلم يقولى انا بعد ما اقرأ التعليقات دى المفروض اعمل ايه؟"

كنت أنا وزميلة لي في العمل نتجول في معرض اقيم للعب وكتب الاطفال ونصحتها بشراء بعض الكتب لاطفالها فكان ردها الفوري: كتب ايه؟ دول مش نافعييين.  رد سهل ومريح يوحي بصراحتها مع نفسها واعترافها بواقعها المؤلم. وهو ايضا يريحها من محاولة تقصي اسباب ذلك الواقع ومحاولة علاج اسبابه.
تذكرت هذه الواقعة عندما نُشرت على الفيسبوك الصورة المرفقة أعلاه بما تحمله من تعليقات مشبعة بالكراهية لمسيحيي مصر والشماتة في ما حدث لهم في ماسبيرو، فكانت تعليقات بعض الاصدقاء المعتدلين على ما جاء في الصورة  اننا: -يجب ان نعترف اننا شعب فاشي .. -أننا شعب مغيب وجاهل فكريا ويفتخر بجهله .. -اننا شعب كافح لكي يتمرغ في الجهل .. -اننا شعب عظيم مهذب لا ينقصه سوى التخلي عن جهله وتطرفه وعنفه غير المبرر تجاه الآخر وبعض الصفات السيئة الاخرى التي تساهم بشكل أساسي في تكوينه.  ....الخ.
أسهل شيء هو ان نصف انفسنا بالفاشية وبأن كراهية الآخر جزء من تركيبتنا، ثم ننام بعد ذلك مرتاحي الضمير لأننا صادقون مع انفسنا ولم نحاول –كغيرنا- إلصاق ما جرى بالفلول أو بالمؤامرات الخارجية ولم نحاول أيضا ان نتشدق بشعارات الوحدة الوطنية .. خلاص كده الحمد لله احنا صادقين.  أما المتعب فهو تحليل ما حدث وتتبع اسبابه القديمة قبل الجديدة، الخافية قبل الظاهرة.
المتعب ان نقول لانفسنا ان هناك ما يسمى بصناعة الرأي العام و ان هذه الصناعة تتطلب كثيرا من التفكير والتخطيط والعمل المخلص والمال وأيضاً شراء الذمم.  من المتعب ان نتذكر ان صورة اليهودي في العالم اجمع كانت مرادفة لصورة شيلوك التاجر الانتهازي في مسرحية شكسبير الشهيرة، ولكن عندما قرر اليهود ان يغيروا التاريخ بأسره فعلوها وتمكنوا -في سنوات قليلة جدا من عمر التاريخ- من تحويل هذه الصورة البشعة الى نقيضها تماما، فصار اليهودي دائماً في صورة الضحية . حتى و هم يفعلون ما يفعلون بالفلسطينيين فهم مازالوا ضحايا في أعين العالم. كل ذلك تم بالتخطيط والعمل المخلص.  من المتعب ان نعترف انه بالتخطيط والصبر والمثابرة تتمكن اسرائيل الان من فرض كل ما تريده وأن الفلسطينيين الآن يتسولون اعترافا بدولتهم لن ينالوه للاسف لأن لعبة الانتخابات الامريكية تتحكم فيها الاصوات والاموال والنفوذ اليهودي في امريكا و في كل انحاء العالم ..  من المتعب ان نعترف انه حتى السرقة يلزمها التخطيط والصبر والعمل المخلص.
من المتعب ان نعترف ان الناس –كل الناس- في جميع انحاء العالم وفي كل مراحل التاريخ تبحث عمن يريحها من عناء التفكير ومن يقدم لهم نماذجا و صورا و افكارا جاهزة، وبالتالي فهم في انتظار من يملأ رؤوسهم بما يريد أياً كان، المهم ان يمتلك الوسائل والعزيمة التي تؤهله لفعل ذلك. 
من المتعب ان نعترف ان كل شيء –كل شيء- يمكن تغييره الى نقيضه تماما: الحب الى كراهية، التسامح الى تطرف، التعاطف الى شماتة، التعاون والتكامل والتعايش الى حرب اهلية. من الممكن حتى ان تقود أخاً شقيقاً الى قتل شقيقه بل وأبويه. كل ذلك ممكن تماما بالدراسة والتخطيط والعمل الصبور والنفس الطويل.

من المتعب ان نعترف انه امكن بصبر ومثابرة ودهاء وبقوة المال والنفط وشراء الذمم سحب المصريين شيئا فشيئا الى مستنقع  التفاهة والتطرف والكراهية،  ليأكلوا انفسهم بانفسهم ثم ليأتي  بعد ذلك من يقول ان كل ذلك عنصر من مكونات الشخصية المصرية.
مشكلتنا ليست اننا شعب متطرف او عنيف بطبيعته، فأي دراسة ولو بسيطة ستثبت عكس ذلك تماما، ولكن مشكلتنا الازلية هي الاستسهال و انعدام الصبر والرؤية طويلة المدى لاهدافنا.  مشكلتنا اننا ليس لنا صبر على الصداع .. اقصد التفكير.

ليست هناك تعليقات: